محمد بن محمد ابو شهبة
645
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
وكما وفى للأحبّاء والأصدقاء ، وفي للأعداء ، فقد عاهد اليهود ووفى لهم ، ولكنهم هم الذين نقضوا العهد ، ولا سيما لما تحزّب الأحزاب ، وعاهد المشركين في الحديبية ووفى لهم ، ولقد جاءه أبو جندل وأبو بصير مسلمين ، فردّهما تنفيذا لشروط العهد على كره منهما ومن المسلمين ، حتى جعل اللّه لهما فرجا ومخرجا . ولما دخل مكة عام عمرة القضاء ، وقضى بها ثلاثة أيام ليس معهم إلا السيوف في الأغماد ، جاء المشركون إليه كي يخرج ، فأبى بعض المسلمين عليهم ، ورغب إليهم الرسول أن يدعوه حتى يعرس بالسيدة ميمونة بنت الحارث الهلالية ، فيأكل المسلمون ويأكلون معهم ، فأبوا ، فأمر رسول اللّه أصحابه بالانصراف وفاء بالعهد ، ودخل بها « بسرف » « 1 » . بل بلغ به وفاؤه أن أمر بدفن عمرو بن الجموح وعبد اللّه بن حرام ، والد جابر ، شهيدي أحد في قبر واحد ، لأنهما كانا متصادقين في حياتهما الدنيا . وقد كان هذا الوفاء الذي وثّقه الإسلام وزاده امتدادا لوفائه في الجاهلية ، لقد عاهد رجلا أن يلقاه في مكان كذا ، فمكث ثلاثة أيام يذهب إلى هذا المكان ثم قال : « لقد شققت علي يا رجل ، أنا أنتظرك هنا منذ ثلاث » . وكان صلى اللّه عليه وسلم أوصل الناس لرحمه وذوي قرابته ، ولكن ما كان يؤثرهم على من هم أولى منهم ، وكان يقول : « إنّ آل أبي فلان ليسوا بأوليائي ، إنما وليي اللّه ، وصالح المؤمنين ، غير أن لهم رحما سأبلّها ببلالها » « 2 » .
--> ( 1 ) سرف : مكان قريب من مكة . ( 2 ) أي سأصلها بحقها علي ، وقد شبه النبي القطيعة بالحرارة التي تجفف ما بين الناس من صلات ، والصلة بالماء التي يبردها ، ويطفئها ، ويرطب ما جف من علاقات . وهو من المجازات النبوية البديعة التي لم يسبق إليها فيما أعلم . والحديث رواه الشيخان .